علي بن يونس العاملي النباطي البياضي
5
الصراط المستقيم
التتبع ، أو بعدا عن المرمى ، وخروجا عن الغرض فعذرنا إليهم أن ذلك عن غفلة ؟ لا عمد ، وسهو لا قصد تمهيد : إمتاز جبل عامل بخصائص تفوق بها على كثير من البلاد ، واختص بمزايا فضلته على سائر البقاع والأصقاع ، فقد اشتهر بنقاء التربة ورقة الهواء ، وطيب المناخ وعذوبة الماء ، وأثرت تلك العوامل في أهله فأخصبت أذهانهم ، وأرهفت أحاسيسهم وفتحت قرائحهم ، وصقلت عقولهم ، وأنارت قلوبهم ، وأضاءتها بنور العرفان فكان منهم الحجج الاثبات ، والدعائم والأركان ، والعباقرة والنوابغ ، والأجلاء والأكابر ، الذين صاروا غرة ناصعة في جبين الدهر ، يفخر تاريخ الجبل بهم ، ويباهي بأمجادهم ومآثرهم ولعل أبرز خصائص هذا الجبل الأشم ، وأظهر مميزاته وأهمها ، سبقه إلى التشيع ؟ فتاريخ التشيع فيه قديم قدم الاسلام ، وتنص المصادر الوثيقة ويثبت الاستقراء : أن التشيع في تلك المناطق وما والاها أقدم منه في كل بلاد الاسلام ما عدا الحجاز ، فقد سبق إلى ذلك في مدينة الرسول أقوام استضاؤا بنور الله تعالى ، فاقتدوا بسنة رسوله ، وحفظوا عهده ، وتمسكوا بالثقلين بعده ، فكانوا السابقين الفائزين ، والقدوة الطيبة لأبناء الفرقة الناجية من أهل الحق واليقين ، وكان غارس بذرة التشيع في تلك البلاد ، من الشام وما والاها ، هو الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري - ره - فقد نفاه عثمان إلى الشام فالتف أهلها حوله ، وتنقل في بعض قراها وكان لدعوته أثرها الطيب ، ولغرسه ثمره الجني ( 1 ) ، فقد تشيع على يده يومذاك كثير من الناس ، ونما التشيع شيئا فشيئا في تلك الأطراف حتى أصبحت عاملة من بلاد الشيعة المعدودة ( 2 )
--> ( 1 ) راجع : 1 - تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 149 2 - مروج الذهب : ج 2 ص 349 . 2 - تاريخ ابن خلدون : ج 2 ص 385 . ( 2 ) راجع ( مجالس المؤمنين ) ص 34 و ( أعيان الشيعة ) ج 1 ص 524 وغيرهما .